الشيخ السبحاني
56
مفاهيم القرآن
وهذه الآية وإن لم تكن صريحة في بيان الشبهة ، لكن يوضّحها ما أجاب به سبحانه عنها ، بقوله : « بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُون » وقد مرّ بيانه . « قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون » . « 1 » ولا يقف الإنسان على حقيقة الجواب إلّا بإمعان النظر في قوله : « يتوفّاكم » ، فليس المراد من التوفّي هو الموت كما هو الدارج على الألسن ، بل المراد منه هو الأخذ ، وقد فسره به ابن منظور في لسان العرب . « 2 » ويفسره أمين الإسلام الطبرسي ، بقوله : أييقبض أرواحكم جميعاً . « 3 » وعلى ذلك فالقرآن يرد على الشبهة بأنّ حقيقة الإنسان عبارة عمّا يأخذه ملك الموت الذي وكّل بأخذه بأجمعه وهو شيء لا يضلَّ في الأرض ، وأمّا الضالّ في الأرض كالعظام البالية والأجزاء المتلاشية فهي طارئة على الإنسان . فإذا كانت حقيقة الإنسان محفوظة عند الربّ بأجمعها ، فالإتيان به يوم الحشر إتيان لنفس الإنسان الذي عاش في الحياة الدنيا . وإن شئت قلت : الإنسان مؤلف من بدن وروح ، فالبدن قشر والروح هو الأصل ، والحافظ للوحدة بين البدنين هو الروح ، فإذا كانت الروح باقية في كلتا النشأتين فلا تضرُّ بشخصيته ، فيصدق على المحيا في النشأة الأُخرى ، انّه نفس الإنسان الذي عاش في نشأة الدنيا . ونلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ الآية ليست ناظرة إلى بيان أنّ المعاد
--> ( 1 ) . السجدة : 11 . ( 2 ) . لسان العرب : 15 ، مادة وفى . ( 3 ) . مجمع البيان : 4 / 328 .